بقلم: قاسم سرحان
qasimsarhan@yahoo.com
من المبادئ العظمى للدولة وسيادتها الوطنية ان تتمثل بكيان أغلبيتها العظمى وسيادتها على الوطن , وفي نفس الوقت منح كلّ الحقوق الإنسانية والعقائدية والإدارية للأقوام والطوائف الأخرى ان تواجدت في الوطن الواحد , خاصة أذا كانت من ضمن الأقليات , وهذا العرف الدستوري القانوني والإنساني الدولي تسير عليه معظم الدولة العظمى المشرعة – حديثا – للحقوق الإنسانية والدينية والقومية والطائفية , مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وألمانيا وروسيا والهند حتى .
انّ التشريع الدستوري للواقع القومي والطائفي والعقائدي في العراق , سواء كان في ظلّ الأنظمة الحاكمة في تأريخ العراق الحديث او من قبل الأحزاب المعارضة – التي وصلت الى السلطة في ظلّ الاحتلال الأمريكي للعراق, او غيرها من التي مازالت تعيش في المنفى – نظرت وتنظر إلى تركيبة الشعب العراقي العربية والقوميات الأخرى , بكثير من الشكّ والريبة , وهذا الشعور جعل الشعب العراقي , وخاصة أغلبيته العربية تشكك بكلّ الأطروحات الحزبية والسياسية لواقع العراق وأغلبيته العربية , إضافة الى تمرد كثير من القوميات والطوائف العراقية على تشريع الحكومات والأحزاب السياسية العاملة كما ينبغي من اجل العراق وتركيبته السياسية- القومية والعقائدية- التي لاتختلف عن كثير من دول الجوار ولا عن كلّ دول الإقليم ولا العالم برمته .
لقد احتارت الحكومات العراقية المتعاقبة – التي كانت في ظلّ الاحتلال او المتحررة منه – في الفصل والقضاء بشأن القومية الممثلة للشعب العراقي ؟!
فعلى الرغم من انّ دستور العشرينيّات للحكومة الملكية الأول- في ظلّ الاحتلال او الانتداب البريطاني- اقرّ بعروبة العراق إضافة الى الأكراد والتركمان , جاء الحكم الجمهوري ألقاسمي وبضغط من الشيوعيين على اعتبار انّ العراق تمثله القوميتان العربية والكردية , وعلى هذا صدر الدستور الجمهوري ممثلا للقوميتين العربية والكردية في العراق , وهنا ذبح التركمان مثلما ذبحوا في كركوك قبل تشريع الدستور الجمهوري الأول , ومثلهم الأشوريون والأرمن والصابئة وغيرهم من باقي التكوين القومي والعقائدي في العراق .
بعد سقوط جمهورية الزعيم قاسم وتسنم البعثيين الحكم في العراق ظهرت النزعة العروبية , وهنا لابدّ من التوضيح من انّ نزعة البعثيين العروبية في العراق لاتمثل النزعة الوطنية العربية العراقية , بقدر ماتمثل النهج العفلقي والناصري القومي العام, الذي عمل له مؤسسو البعث والبعثية العربية , وهذا خلاف للمفهوم القومي العراقي- لايتسع الوقت لتوضيح الفرق بين الفكر القومي البعثي الناصري والفهم القومي العربي العراقي هنا - على الرغم من تعاطف كلّ العراقيين مع كلّ القضايا العربية ومصير الامة بما فيها قضية فلسطين , القضية المركزية للعراقيين والعرب اجمع .
لقد اقرّ النظام ألبعثي السابق في العراق- وفي سابقة خطيرة في الإقليم والمنطقة - الحكم الذاتي للأكراد في العراق , وطبعا هذا القرار الذي أصدرته السلطة البعثية في العراق كان يمثل قمّة الضعف والهزيمة لدولة لم تنجح وتفلح في العمل الدبلوماسي, ولم تقرأ الواقع الخطير الذي يمرّ به العراق في تلك الحقبة الساخنة من الزمن , وعليه دفع العراق وشعبه ثمن قرار نظام البعث وسلطته , ذلك النظام الذي لم يقرأ ويفهم مصلحة وطنه وشعبه و خطورة قراره السياسي على العراق وشعبه مستقبلا .
لابدّ هنا من التوضيح من اننا لسنا ضدّ من يعمل على انتزاع الحقوق الوطنية والعقائدية وحتى القومية ضمن المفهوم الوطني – قدسية الأرض الوطنية – بل اننا ندعو إلى منح كلّ الحقوق المدنية والثقافية والقومية والاجتماعية لكلّ أبناء الوطن , ان هي كانت في اطار المفهوم الوطني .
لقد اشتعلت الحرب الأهلية الأمريكية وطالت مع أبناء الجنوب الأمريكي وشماله , ولم يهدأ أوار الحرب الأهلية الأمريكية الاّ بهزيمة الانفصاليين وتوحيد القارة الأمريكية , وكان هذا السعي الأمريكي متوجها إلى كندا لولا فرض قوات الاحتلال البريطاني نفوذها على شبه القارة الكندية بعد حرب أمريكية كندية طويلة .
فلو سمحت الحكومة الأمريكية لبعض زعماء القبائل في المدن والولايات الأمريكية في توجههم الانفصالي , لكانت أمريكا الشمالية ليست هي القارة التي نعرفها ألان , ولكانت دولة الألمان الجديدة ودولة الطليان والبولونيين والايرلنديين وغيرهم من ابناء أوربا النازحين للقارة المكتشفة حديثا على حساب سكانها الأصليين من الهنود الحمر , ولو تساهلت الإمبراطورية البريطانية مع التوجه الأمريكي في ضمّ كندا اليها لكان وضع كندا لايختلف عن وضع نيو مكسكيو وكل ولايات الساحل المكسيكي, التي ضمّها الأمريكان الى قارتهم الجديدة .
أهل العراق ليس بسكان الهنود الحمر , وهم ليس كذلك كما يؤكد المفكر العربي المرحوم أنطوان سعادة بحديثه عن الهلال الخصيب , والعراق ليس بأرض مكتشفة يسكنها مثل الهنود الحمر أو غيرهم – مع كلّ احترامنا للهنود الحمر ونضالهم في الدفاع عن قارتهم – العراق والهلال الخصيب – سوريا والأردن وفلسطين ولبنان والعراق – هم من الشعوب السامية – ليست السامية اليهودية كمفهوم قومي – المتقدمة على كلّ شعوب الأرض علما ومعرفة وتحضرا , بدأ من صناعة الحرف ولفظه الى كتابته وفنون ألسنيته , الرافدينيون هم أول من وضع علوم الحضارة وفنونها , من الزراعة والريّ وهندستها , الى وضع القوانين الإنسانية والدستورية الى تأسيس الجيوش الدفاعية ومهارتهم وتفوقهم فيها, والتي جعلتهم محل احترام جميع الأمم والشعوب .
لقد عرف العراق بتفوق مجتمعه الحضاري والعلمي على الشعوب الأخرى , وهذا التفوق العلمي والثقافي جعل من العراقيين هم حملة الرسالات الحضارية والعلمية الكبرى في الإقليم والشرق الأوسط والعالم بأجمعه , فليس غريبا أو عجيبا ان تكون معظم الرسالات الإلهية وجميع الأنبياء هم من ارض العرب والهلال الخصيب حصرا , فلم يعرف انّ نبيا نزل في أصفهان أو واشنطن أو لندن أو باريس أو وارشو أو فاتيكان الطليان .
انّ التقدم العلمي والثقافي الإنساني عند ابن الرافدين كوّن منه انسانا متقدما بالفهم الحضاري على جميع الشعوب الأخرى , وهذا الشعور الذي يملكه العراقي والعربي جعل منه أنسانا آخر يختلف عن الذي يعيش في مكان آخر من العراق والهلال الخصيب , وعليه نظر ابن الرافدين – حسب تقدمه الثقافي والعلمي الى الشعوب الأخرى القادمة الى بلده – العراق - نظرة رحمة وشفقة – ولم يدرك العراقي وابن الهلال الخصيب من انّ عمله هذا سينقلب عليه يوما .
لقد تآمر الاخمينيون على الإمبراطورية الأشورية بعد ان اعتنقت بلاد فارس ديانة العراق ودخلت في كلّ مراكز الدولة الأشورية وسلطتها العليا بطريقة ثأرية – اخمينية – فارسية – في الانتقام من العراق وحضارته وتقدمه على دولة فارس والعجم , وهذا أيضا كان مذهب الرومان بعد اعتناق كلّ أديان العراقيين ومعتقداتهم – الهلال الخصيب - ومن ثمّ اعداد العدة في تحطيم العراق وشعبه , الى ان انتهى العراق تحت رحمة الساسانيين وحكمهم العراق وإذلاله, الى الفتح العربي الإسلامي الذي أنقذ العراق من سلطة فارس وظلمهم الفارسي التاريخي على العراق , الى دخول فارس مرّة أخرى وبنفس اللعبة التي دأبت عليها دولة إيران في الانتقام من العراق والعرب , فدخل الفرس الإسلام , وبعد حقبة من الزمن اشتعل الاختلاف في الإسلام المحمدي , ذلك الاختلاف الذي مازال ابناء العراق يحصدون دماره الى هذا اليوم , سواء كان في العراق او في المنطقة العربية .
لقد نجح الاحتلالان العثماني التركي والصفوي الإيراني في إضعاف الروح الوطنية العراقية , وقد اجاد الاثنان في تقسيم العراق وتمزيقه , لمصلحة الإمبراطوريتين المتصارعتين على فرض نفوذهما في العراق .
فلقد ضمّت تركيا من الأراضي العراقية الى كيانها بحجم ماضمّت إيران الى أراضيها , - عنك الاسكندرونة السورية - فماردين وأورفا وعشرات غيرها من مدن الشمال العراقي أمست من حصة تركيا , والمحمرة وعبادان وجميع مدن الارتباط الحدودي مع إيران – مثل سيف سعد وزين القوس – ومعظم المياه الوطنية العراقية في شطّ العرب , كانت من حصّة إيران .
انّ الاحتلالين – العثماني والصفوي – استخدما الدين الإسلامي في الوصول الى طموحاتهم في العراق , فتركيا رفعت شعار السنّة في الجانب الذي يهمّها من العراق , وإيران رفعت شعار الشيعة في الجانب الاخر , حتى وصل الامر بتركيا ان تمنح الأهواز العراقية الى إيران مقابل فرض نفوذها على – شهرزور – السليمانية في الشمال العراقي .
انّ من أعظم واخطر الذرائع والحجج للاحتلال – ايّ احتلال – هو استخدام الدين او المذهب في الدخول الى البلدان المستهدفة , ومن ثمّ فرض هيمنتهم عليها , وهذا مافعله الاحتلالان – العثماني والصفوي – في العراق .
لقد اضعف العثمانيون والصفويون الروح الوطنية عند العراقي , وتغلّبت على العراقي النزعة الدينية على النزعة الوطنية , وهذا حقيقة كان سبب كارثة العراقيين .
فالدين -ايّ دين- يمكن له العيش والتنقل من هذا البلد الى غيره , والدين أبدا لاينحصر بقومية او وطن , فالأديان العراقية او أديان الهلال الخصيب بما فيها الأديان الثلاثة الكبرى – اليهودية والمسيحية والإسلام – لم تختص بالعراقي والشامي او في المنطقة العربية , فكما نعرف انّ الأديان السماوية العراقية واديان الهلال الخصيب , هي اديان معظم الثقل السكاني على الأرض التي نحيا فيها , حتى أنّ المسيحية – دين العراقيين والمنطقة سابقا – أمست دين أوربا وأمريكا ومعظم شعوب الأرض .
العراقيون هم المصدرون والمبتكرون للأديان , منذ حضارة سومر وتقدمها الأسطوري العقائدي الى النهضة الدينية المتقدمة التي مثلتها الأديان الثلاثة الكبرى .
الدين صناعة وتقدم رافديني رفيع , منّ الله به على هذه الشعب الرافديني والعربي المعطاء , ومن المريب ان تتقدم امّة او شعب آخر عاشت وعاش على تأريخ العراقيين وحضارتهم , تلقين العراقي ماهندسه وشرّعه لهم .
لقد اضعف المحتلون الروح الوطنية والانتماء الوطني لصالح النزعة الدينية والعقائدية , وقد خسر العراقي الاثنين , فلم ينتصر بدينه ولم يحافظ على أرضه ؟!
وهنا لابدّ من التوضيح من انّ الوطن هو اهمّ بكثير من الدين , كون انّ الدين يمكن له العيش أينما حل , الا انّ الوطن من الصعب نقله الى هنا او هناك , فقدسية الوطن أعظم من قدسية الدين بالفهم الوطني الحقّ .
انّ رغبة المحتلين في تحطيم العراق وتقسيمه , هو رغبة صهيونية معلنة منذ الخمسينيات من القرن المنصرم , دعمتها إيران في زمن الشاه وإسرائيل بقوة , فهي قد مكنّت بعضا من القبائل النازحة حديثا الى العراق , بالعمل على تقسيم العراق , او اضعافه على اقلّ تقدير, باسم الحقوق الثقافية او الحقوق الإنسانية او غيرها من الحجج التي ابتكرها المحتلون في اذلال العراق وتمزيق وطنه الحضاري المتألق .
يتقول اعداء العراق على تأريخ مؤسس الحضارة البشرية ومهدها التقدمي الصارخ , من انّ العراق دولة أنشأها الاحتلال البريطاني ؟!
حتى وصل ببعض الانفصاليين من ان يقولوا انّ اسم العراق هو اسم حديث لاوجود له في التأريخ , وقد رسمه الاحتلال البريطاني للمنطقة ؟!
نحن حقيقية بحاجة الى العودة الى ماقبل الاحتلال البريطاني للعراق , ونحن بحاجة ملحة الى وضع الخارطة الحقيقية للدولة العراقية التأريخية , وعلى الجغرافيين والحقوقيين والوطنيين العودة الى ماقبل الاحتلال البريطاني للعراق .
نعم نحن بحاجة الى عودة الى الوراء كي نعرف ونعرّف حقيقتنا لكلّ شعوب المنطقة والإقليم , وأيضا الى القبائل النازحة حديثا الى العراق وشماله خاصة .
انّ صمت القوى الوطنية العراقية , كلّ القوى , سواء المتحررة من الاحتلال او التي نعيش في ظلّ الاحتلال , عليها وعلينا ان نقيم مؤتمرا خاصا بالشأن العراقي وتأريخ العراق , وخاصة شماله العراقي .
نحن نطمح في تحقيق الحقّ الوطني , ونرغب في استشهاد التأريخ على حقيقية العراق وشعبه , نرغب ان يعرف العربي ان كان له وجودا في العراق او شمال العراق , ونرغب ان نتحقق من وجود التركماني في اربيل او كركوك , نحبّ ان نتعرف على تأريخ الأكراد في الشمال العراقي , نطمح كعراقيين ان ندرك حقيقية بلدنا وتركيبته القومية والطائفية , نحن نطالب العرب والتركمان والأكراد والأشوريين واليزيدية والأرمن وغيرهم من الطيف العراقي الدعوة الى عقد مؤتمر وطني حقيقي , يبحث في تأريخ الاقليات والقوميات في العراق , المؤرخون والجغرافيون والسياسيون الوطنيون مطالبون في عقد هذا المؤتمر الوطني .
القضية القومية والطائفية في العراق قد وصلت الى طريق مسدود في ظلّ المليشيات وأحزابهم في المنطقة الخضراء وفي شمال العراق .
لقد وصل الامر ان يصدر قرار من حكومة الأكراد في شمال العراق حقّ تملك الأجنبي في شمال العراق , وفي نفس الوقت محرما على العراقي امتلاك قطعة ارض او عقار هناك ؟!
نحن بحاجة الى معرفة العدد الحقيقي للتركمان في العراق والى عدد الأشوريين ومهجريهم في العراق , ونحن بحاجة ايضا الى معرفة النسبة العربية الحقيقية للعرب في العراق .
نريد ان نعرف كيف قسم البلد على قوميتين – عربية وكردية – والاولى تمثل اكثر من 80% والأخرى لاتمثل اكثر من 11% من الشعب العراقي .
واذا كان تمثيل قومية لايقدر عددها ب 11% الى القومية العربية , كيف يتم اهمال قومية تكون نسبتها للأكراد في العراق الى 90% ؟!
نحن حقيقية بحاجة الى عقد مؤتمر وطني حقيقي للبحث في كلّ هذه المشاكل القومية والطائفية في العراق .