صحت العاصمة العراقية بغداد ومنذ ايام على مشهد وقعه مؤثر في نفوس اغلب العراقيين، حيث رفرف العلم العراقي على اسطح المنازل والبنايات الحكومية والاهلية في اغلب مناطق بغداد، ورسم على جدران اشهر ساحات بغداد. هذه الظاهرة ولدت تساؤلاً لدى الكثيرين عن الجهة التي تبنت هذه المبادرة، فمنهم من قال انها فكرة قامت بها احدى منظمات المجتمع المدني، واخرى اكدت انها جاءت على خلفية نداء الزعيم الشيعي الشاب مقتدى الصدر الذي طالب برفع العلم العراقي على اسطح البيوت والمحال التجارية استنكاراً على ذكرى احتلال البلاد من قبل القوات الاميركية في التاسع من نيسان (ابريل)، إلا ان الكثيرين استبشروا بمغزى رفع العلم بهذه الطريقة اللافتة والغائبة عنهم منذ زمن بعيد، سيما ان البلاد تشهد تناحراً طائفياً لم يسبق له مثيل منذ تعاقب الحكومات على العراق.
الا ان رؤية العلم العراقي اصبحت مشهداً يتكرر في حياة العراقيين سواء في الحزن او الفرح، فتارة نراه يلف اغلب جثامين المغدورين والقتلى بسبب تردي الوضع الامني، واخرى يلف اجساد المحتفلين منهم، سواء الرياضيين او ما حصل أخيرا مع المتسابقة العراقية شذى حسون والتي احتضنت العلم بطريقة ألهبت مشاعر العراقيين وجعلتهم يحسون بانتمائهم الى هذا البلد وانه (العلم) يحميهم من قسوة هذا الزمان لبلدهم، بحسب كثيرين.
هناء ادورد، سكرتيرة جمعية الأمل العراقية، (منظمات مجتمع مدني)، تقول «لم اسمع بأن منظمة مجتمع مدني معينة قد تبنت هذه المبادرة ولا نعرف من يقوم بهذا الامر»، وتضيف مؤيدة «انها مبادرة جيدة، وافضل ان يرفع العلم العراقي، بدل ان ترفع اعلام وصور لا معنى لها ولا توحد العراقيين بطوائفهم المختلفة». وقالت ادورد لـ«الشرق الاوسط»: «على الاقل ان رفع العلم وهو رمز محدد بات يوحد تحت ظله الجميع، وهو مسألة جميلة، مثلما فعلت العراقية شذى حسون برفع العلم العراقي مما ادى الى اهتزاز عواطف العراقيين في ظل هذه الحركة الوطنية». وعن مغزى الفكرة اكدت «اذا كانت الفكرة جاءت لتوحيد العراقيين برمز يوحدهم فإنها مسألة مهمة في ظل الظروف التي تعيشها البلاد من تقسيم واحتقان طائفي وعرقي جاء ليوحد العراقيين ضمن شعب واحد وحدود واحدة ونضال مشترك وان كانوا مختلفين حول صيغة العلم الحالية الا انه جاء بمبادرة جماعية». حسن عايد، صاحب محل ملابس رجالية في منطقة شارع فلسطين، يقول «ان رفع العلم يمثل السيادة والروح الوطنية، ولا نريد ان يذكرنا بسقوط بغداد، نريد ان نشعر باننا ما زلنا اصحاب البلد واصحاب القرار فيه، انه الشعور بالانتماء» وتابع «ان رفع العلم في محالنا وعلى واجهاتها خطوة وحيدة وبسيطة تشعرنا باننا شعب مغلوب على امره وهذا اقل ما نقوم به هو ان نرفعه فوق منازلنا ومحالنا وحتى فوق رؤوسنا».
ايمان شمخي، استاذة جامعية، تسكن منطقة الوزيرية، تطالب بتخصيص اسبوع كامل لرفع العلم فوق المنازل لكنها لا تؤيد رفعه في يوم 9/4 لانها تعتبره ذكرى للاحتلال وسقوط بغداد وليس يوماً للوحدة الوطنية وتفضل رفعه في يوم اخر وابقاءه مرفوعاً لمدة أسبوع لانه بالفعل الرمز الوحيد الذي يجمع العراقيين والمعبر الاصيل عن وحدتهم.
اما شيماء الحمداني، طالبة ماجستير، فتقول ان رفع العلم فوق المنازل يولد شعوراً بالفرح لانه رمز كبير لهيبة الوطن، وتضيف «بالنسبة لي حينما ارى علم بلادي مرفوعاً فوق المنازل والدوائر الحكومية والوزارات اشعر بالفخر والامان والراحة والاطمئنان كوني ما زلت اسكن في بلادي» وترى ان رفع العلم فوق المنازل والدوائر الرسمية جاء متأخراً، وان هذه الخطوة كان يتوجب ان تتم قبل هذا الوقت حينما بدأت مشكلات الاحتقان الطائفي بتمزيق الجسم العراقي، وبدأت ملامح الفرقة ومحاولات تشتيت الوحدة الوطنية واضحة انذاك، وتقول لـ«الشرق الاوسط»: «كان يتوجب على الحكومة ان تصدر قراراً برفع العلم فوق المنازل منذ اطلاقها لمشروع المصالحة الوطنية كي يجري التفاعل الحقيقي بين مختلف مكونات الشعب العراقي».
أما علي كاظم، سائق سيارة اجرة (في منطقة الكرخ)، فيقول «ان اغلب السيارات في الطرق والشوارع تحمل العلم العراقي وهو امر بتنا نلاحظه منذ ايام ما دفعني الى وضع العلم في مقدمة سيارتي»، مضيفاً «انه الاعتزاز بالوطن الذي حملنا على رفع العلم، لانه الفعل الوحيد الذي نعبر به عن رأينا المناهض للاحتلال، سيما انه (الاحتلال) اتى لنا بالويلات والعنف والتقسيم الطائفي»، وزاد فرحاً «نعم، نرفعه اعتزازاً به واكراماً وكيداً بالمحتل».
اما جنان عبد الرضا، ربة بيت، فتقول «عندما ارى العلم مرفوعاً فوق المنزل ينتابني شعور بالفرح لان العلم يمثل الانتماء الوطني للناس بعيداً عن جميع الانتماءات الاخرى سواء كانت طائفية او عنصرية او حزبية ضيقة»، وتؤكد لـ«الشرق الاوسط» ان الوضع الامني الراهن الذي تعيشه البلاد حالياً يذكرها بالاحتلال وبداية الاجتياح الاميركي لبغداد وتقترح ان يبقى العلم مرفوعاً على المنازل بشكل دائم على مدار السنة وعدم انزاله ابداً، فالاعتزاز الكبير للعراقيين بعلمهم بشكله الحالي دفعهم الى الاعتراض على قرار تغييره من قبل مجلس الحكم المنحل، واسقاط (مقترح العلم) انذلك، بعدما تمسكوا بشكله الحالي، معتبرين العلم العراقي الحالي «ارثاً وطنياً توارثوه عبر الاجيال».
